في ذكرى الحادث .. قصة حادثة ميونيخ و زهور مانشستر … الحلقة الأولى

share on:

في يوم 6 فبراير عام 1958  صدم العالم بوقوع  حادث للطائرة التي كانت تحمل فريق مانشستر يونايتد لكرة القدم عائدة من ميونيخ بعد أحد مباريات دوري أبطال أوروبا و كانت الطائرة تحمل 44 فرد من ضمنهم صحفيون و موظفون و لاعبون .

و نتيجة لذلك الحادث فقد توفي 23 فرد من ركاب الطائرة منهم 20 توفوا في الحال بينما توفي ثلاثة ركاب آخرون بعد الحادث بأيام قليلة .

و مع مرور الذكرى السنوية رقم 62 للحادث منذ أيام نستعيد معكم تفاصيل ذلك الحادث و ما يتعلق به من أحداث و كواليس .

دعونا نعود قليلا بالزمن قبل الحادث و نوضح لماذا تواجد فريق مانشستر يونايتد في ميونيخ في ألمانيا في ذلك التوقيت :

في موسم 1957 فاز مانشستر يونايتد بقيادة المدير الفني وقتها مات باسبي بلقب الدوري المحلي في إنجلترا مما يعني أنه قد أصبح له الحق في المشاركة في بطولة كأس أوروبا للأندية و هي تعادل بطولة دوري أبطال أوروبا في الوقت الحالي .

فريق مانشستر يونايتد الفائز بالدوري الإنجليزي لموسم 1957

كانت تلك البطولة قد تم تأسيسها من قبل الإتحاد الأوروبي لكرة القدم للأندية أبطال الدول المعترف بها من قبل الإتحاد الأوروبي و قد تم التصديق على بداية أول نسخة للبطولة في عام 1956 .

و كان نادي تشيلسي قد فاز بلقب الدوري المحلي في انجلترا عام 1955 مما يعني أنه من المفترض أن يشارك في أول نسخة لبطولة كاس أوروبا للأندية .

إلا أن سكرتير عام رابطة الدوري الإنجليزي لكرة القدم الان هارديكر قد رفض مشاركة تشيلسي في تلك البطولة معللا ذلك بان عدم المشاركة أفضل للكرة الانجليزية و بالفعل لم يشارك تشيلسي في البطولة عام 1956 .

في ذلك الموسم فاز مانشستر يونايتد ببطولة الدوري الانجليزي بقيادة المدير الفني مات باسبي و بدأ  صراعا جديدا مع سكرتير عام رابطة الدوري الإنجليزي الان هارديكر من أجل المشاركة في البطولة الأوروبية لعام 1957 .

مات باسبي

طرفا الصراع هم مات باسبي المدير الفني و هارولد هاردمان رئيس النادي و تضامن معهم ستانلي روس رئيس الإتحاد الإنجليزي من جهة و في الجهة الأخرى بالطبع الان هارديكر سكرتير عام بطولة الدوري الانجليزي .

انتهى ذلك الصراع بفوز نادي مانشستر يونايتد بموافقة رابطة الدوري الانجليزي و أصبح أول نادي انجليزي يشارك في البطولات الأوروبية حيث سيشارك في كاس أوروبا للأندية لموسم 1957 .

في ذلك الوقت كان فريق مانشستر يونايتد يضم عدد كبير من اللاعبين صغار السن لذلك أطلق عليهم أبناء باسبي نسبة للمدير الفني مات باسبي .

في موسم 1957 وصل مانشستر يونايتد إلى نصف نهائي البطولة الأوروبية و خرج أمام فريق ريال مدريد الذي فاز بالبطولة في ذلك الموسم .

 

صورة للجماهير الحاضرة في احد مباراتي الفريقين في نصف النهائي عام  1957

 

صورة لهدف لريال مدريد امام مانشستر يونايتد في البطولة الاوروبية عام 1957

كذلك حقق فريق مانشستر يونايتد لقب الدوري المحلي في نفس الموسم مما يعني أنه سيشارك في البطولة الأوروبية مرة أخرى في الموسم التالي 1958 و بالنظر لمسيرة النادي في نسخة موسم 1957 و وصوله لنصف النهائي فقد أصبح الفريق من المرشحين للفوز بالبطولة في الموسم التالي .

و في ذلك الموسم موسم 1958 بدأت المتاعب للنادي و التي حذر منها الان هارديكر سكرتير عام رابطة الدوري الانجليزي حيث أن مباريات بطولة الدوري المحلي كانت تقام يوم السبت و مباريات البطولة الأوروبية تقام في منتصف الأسبوع و كانت الوسيلة الوحيدة لفريق مانشستر يونايتد للسفر هي الطيران من أجل أداء مبارياته في البطولتين في مواعيدها .

و رغم أن الطيران كان محفوفا بالمخاطر في ذلك التوقيت إلا انه الوسيلة الوحيدة لأداء المباريات في مواعيدها و تجنب إثبات أن الان هارديكر كان محقا في منع الأندية الانجليزية من المشاركة في البطولة الأوروبية .

واجه فريق مانشستر يونايتد شاملوك روفرز و دوكلا براغ في الأدوار الأولى من البطولة الأوروبية ثم أوقعته القرعة أمام ريد ستار بلغراد من يوغوسلافيا في الدور ربع النهائي .

أقيمت مباراة الذهاب في انجلترا على ملعب أولد ترافورد معقل فريق مانشستر يونايتد يوم 14 يناير عام 1958 و انتهى اللقاء بفوز مانشستر يونايتد بهدفين مقابل هدف .

و تم تحديد يوم 5 فبراير 1958 لإقامة مباراة العودة في يوغوسلافيا بين الفريقين .

كان فريق مانشستر يونايتد قد واجه صعوبات أثناء رحلة العودة من براغ بعد أداء مباراته أمام دوكلا براغ في الجولة السابقة من البطولة الأوروبية حيث انتشر الضباب في أجواء مدينة مانشستر و منع طائرة الفريق من السفر مباشرة من براغ إلى مانشستر لذلك اضطر الفريق للطيران إلى هولندا ثم استقل الفريق عبارة من هولندا إلى مدينة هارويش الانجليزية و من هارويش استقل الفريق القطار الى مدينة مانشستر .

بالطبع كانت رحلة شاقة على الفريق بأكمله و تأثر الفريق بتلك المصاعب في المباراة التالية في الدوري أمام فريق برمنجهام حيث تعادل الفريقان بثلاثة أهداف لكل منهما حيث أقيمت المباراة بعد ثلاثة أيام فقط من تلك الرحلة الشاقة .

لم ترد إدارة فريق مانشستر أن يواجه الفريق نفس المتاعب مرة أخرى أثناء عودته من يوغوسلافيا لذلك قررت أن يستقل الفريق طائرة تابعة للطيران البريطاني الأوروبي و بالفعل سافر الفريق من مانشستر الى مدينة بلغراد في يوغوسلافيا على متن تلك الطائرة و يبدو أنها كانت طائرة ذات طرز عالي في ذلك التوقيت .

أقيم اللقاء يوم 5 فبراير 1958 و انتهى بتعادل مانشستر يونايتد أمام ريدستار بلغراد بثلاثة أهداف لكل فريق و كانت تلك النتيجة تعني تأهل فريق مانشستر يونايتد إلى نصف نهائي بطولة كاس أوروبا للأندية للمرة الثانية على التوالي .

قائدي الفريقين يتصافحان قبل اللقاء

 

صورة من اللقاء لاحد هجمات فريق مانشستر يونايتد

و بعد المباراة استعد الفريق للعودة على متن الطائرة إلى مانشستر .

 

نوع الطائرة وطاقم قيادة الطائرة :

 

كانت الطائرة من النوع Air speed Ambassador و قد تم تصنيعها عام 1952 و تم تسليمها للطيران البريطاني في نفس العالم .

صورة لطائرة من نفس النوع

طاقم الطائرة تكون من القائد كابتن جيمس ثين و مساعده الكابتن كينيث رايمنت .


كان الطيار الكابتن جيمس ثين ملازمًا سابقًا في سلاح الجو الملكي البريطاني.

الكابتن جيمس ثين

تمت ترقيته إلى ملازم في مايو 1948 و تولى وظيفة دائمة بنفس الرتبة في عام 1952 و تقاعد من سلاح الجو الملكي البريطاني للانضمام إلى الطيران البريطاني الأوروبي .



مساعد الطيار الكابتن كينيث رايمنت كان أيضًا ملازمًا سابقًا في سلاح الجو الملكي البريطاني وأستاذ الطيران في الحرب العالمية الثانية.

الكابتن كينيث رايمنت

وتم ترقيته إلى ملازم طيران في سبتمبر 1943 . و انضم للطيران البريطاني الأوروبي عام 1947 .

 و لديه خبرة في التعامل مع نوع الطائرة التي انطلقت من ميونيخ  Air speed Ambassador .

 تفاصيل الحادث :

يوم 6 فبراير 1958 كان موعد انطلاق الطائرة من بلغراد نحو مدينة مانشستر  لكن إقلاع الطائرة من بلغراد تأخر لمدة ساعة لأن احد اللاعبين وهو جوني بيري قد فقد جواز السفر الخاص به .

ثم أقلعت الطائرة بعد العثور على جواز السفر الخاص باللاعب و هبطت في مدينة ميونيخ الألمانية من اجل التزود بالوقود في حدود الساعة الواحدة و الربع ظهرا بتوقيت جرينتش .

صورة الطائرة لحظات قبل انطلاقها من ميونيخ

و بعد التزود بالوقود تم إرسال إشارة إلى برج التحكم في ميونيخ في الساعة 2.19 ظهرا بتوقيت جرينتش و تشير الرسالة إلى استعداد الطائرة للإقلاع .

و مع محاولة الإقلاع لاحظ كابتن ثين أن جهاز تعزيز قياس الضغط في المحرك  يترنح و عند وصول الطائرة لقوة الدفع الكاملة بدا المحرك غريبا نوعا ما لذلك أوقف الكابتن رايمنت محاولة الإقلاع و توقفت الطائرة .

تم عمل محاولة إقلاع ثانية بعد ثلاثة دقائق لكنها استمرت 40 ثانية فقط و فشلت المحاولة مرة أخرى لان الطائرة استخدمت خليط زائد عن الحد من الهواء و الوقود و هي مشكلة شائعة في ذلك النوع من الطائرات  وفقا لبعض التقارير .

بعد فشل محاولة الإقلاع الثانية تم إعادة الركاب إلى صالة المطار و في ذلك الوقت بدا الثلج بالتساقط و بدا أن الطائرة من غير المحتمل أن تغادر المطار في ذلك اليوم .

و ذكرت مالكة العقار الذي يسكن فيه لاعب مانشستر يونايتد دونكان إدواردس أنه أرسل لها رسالة يقول فيها أن كل الرحلات قد ألغيت في ذلك اليوم و أنه سيعود في اليوم التالي .  

بعد ذلك أخبر الكابتن ثين مهندس المحطة بيل بلاك بالمشكلة في محرك الطائرة فاقترح المهندس أنه بما أن عملية دفع الوقود في المحرك ببطء لم تنجح فان الخيار الوحيد لديهم هو إبقاء الطائرة في المطار تلك الليلة من اجل إصلاحها .

لكن الكابتن ثين كان قلقا حول التأخر عن الموعد المحدد للعودة فاقترح أن يتم دفع الوقود ببطء أكثر في المحرك أثناء تشغيل الطائرة لكن هذا يعني أن الطائرة لن تصل لسرعتها اللازمة للإقلاع إلا في نهاية ممر الإقلاع الذي يبلغ طوله 2 كم و هو ما رآه الطيار لا يمثل مشكلة .

بعد ذلك تم استدعاء الركاب مرة أخرى لركوب الطائرة بعد خمس عشر دقيقة من عودتهم لصالة المطار .

بعض الركاب لم يكونوا على قدر كبير من الراحة النفسية مثل ليام وهيلان الذي قال : ” هذا قد يكون الموت لكنني مستعدا ” .

آخرون مثل دونكان ادواردس و تومي تايلور و مارك جونز و ايدي كولمان و الصحفي فرانك سويفت جميعهم ركبوا في المقاعد الخلفية للطائرة معتقدين أن ذلك أكثر أمانا .

و بعد صعود جميع الركاب تحركت الطائرة مجددا في الساعة الثانية و 56 دقيقة ظهرا .

في الساعة الثانية و 59 دقيقة وصلت الطائرة لمنطقة الوقوف في الممر و حصلوا على التصريح بالاستعداد للإقلاع و في الممر قاموا بفحص كابينة القيادة في الطائرة و في الساعة الثالثة و دقيقتين حصلوا على إذن الطيران و تم إبلاغهم بأن الإذن سينتهي خلال دقيقتان .

وافق الطياران على إجراء محاولة الطيران لكنهم سيقوموا بمراقبة المحركات و أبلغوا برج المراقبة بقرارهم في الساعة الثالثة و ثلاث دقائق .

قام رايمنت بتحريك خانق الوقود لدفع الوقود ببطء و و بدأت الطائرة بالتسارع و قام جورج  رودجرز مسؤول المراسلات اللاسلكية بإبلاغ برج المراقبة بالانطلاق .

و مع الانطلاق وصلت سرعة الطائرة إلى 18.5 كم في الساعة و زادت السرعة حتى وصلت إلى 157.4 كم في الساعة و عند ذلك بدأت المشكلة تظهر في المحرك مجددا و حاول الطيار التعامل معها عن طريق تغيير كمية الوقود المندفعة .

و مع وصول سرعة الطائرة إلى 217 كم في الساعة أعلن الطيار الوصول للسرعة التي لا يمكن عندها التوقف عن محاولة الإقلاع أو الهبوط بالطائرة و انتظر رايمنت الوصول للسرعة 220 كم في الساعة و هي أقل سرعة ممكنة لكي تتمكن الطائرة من الإقلاع و الطيران في الجو .

توقع ثين أن تزيد سرعة الطائرة للسرعة المطلوبة لكن السرعة ترنحت مرة أخرى و هبطت فجأة إلى 207 كم في الساعة ثم 194 كم في الساعة ثم صرخ رايمنت : ” لن نستطيع أن نفعلها ّ ” ..  و نظر ثين إلى الأسفل ليرى ما يوجد تحت الطائرة خوفا من الهبوط و الاصطدام بشئ .

لم تستطع الطائرة الطيران و هبطت مرة أخرى اضطراريا و خرجت من نهاية الممر و اصطدمت بسور حول المطار و عبر شارع قبل أن يتحطم أحد جناحيها بالاصطدام في أحد المنازل الذي يضم ستة أشخاص .

الأب و الإبنة الكبرى كانوا خارج المنزل بينما الأم و باقي الأبناء هربوا من المنزل الذي اشتعل بالنيران إثر الاصطدام .

تحطم جزء من ذيل الطائرة و اصطدم جزء من كابينة القيادة في شجرة .

اصطدم جزء من جسم الطائرة في كوخ خشبي يحتوى على شاحنة مليئة بالبنزين و الإطارات مما أدى إلى انفجار تلك الشاحنة .

صورة للطائرة بعد تحطمها

خشي الكابتن ثين من حدوث انفجار للطائرة عندما رأى اللهب حول كابينة القيادة لذلك أمر طاقمه بإخلاء الكابينة .

المضيفات روزماري شيفيرتون و مارجريت بيليس كانتا أول من غادر الكابينة من خلال نافذة المطبخ ثم تبعهم مسؤول الإرسال اللاسلكي رودجرز .

لم يستطع الكابتن رايمنت المغادرة بسبب جسم الطائرة المتحطم و ظل حبيسا في كرسي الطائرة و أخبر ثين بأن يغادر بدونه .

غادر ثين من خلال نافذة المطبخ أيضا و عندما وصل لخارج الطائرة رأى اللهب يشتعل أسفل جناح الطائرة الأيمن و الذي يحتوى على 2300 لترا من البنزين مما قد يسبب في انفجار الطائرة بالكامل بما فيها من ركاب .

أمر ثين طاقمه بالابتعاد و دخل الطائرة مرة أخرى لإحضار اثنان  من أجهزة إطفاء الحريق و أخبر زميله رايمنت أنه سينقذه بعد إخماد النيران .

صورة للأدخنة متصاعدة من الطائرة أثناء الاحتراق

من بين الركاب بدا حارس المرمى هاري جريج باستعادة وعيه و شعر بالدماء على رأسه و لم يستطع أن يرفع يده للأعلى من شدة التعب و ظن أن رأسه قد خلعت من جسده ثم رأى بعض النور يأتي  فوق رأسه تماما من خلال أحد الفتحات فقام بركل تلك الفتحة مصدر الضوء و فتحها لكي يتمكن من الهروب منها و تمكن من الهروب بالفعل و ساعد بعض الركاب في الهروب مثل زميله بوبي تشارلتون و دينيس فيوليت .

أسفر ذلك الحادث المؤسف عن وقوع 23 حالة وفاة بين طاقم الطائرة و المسافرين.

هنا تنتهي الحلقة الأولى من قصة تلك الحادثة … في الحلقة القادمة نستكمل معكم القصة بالتعرف على أسماء و صور اللاعبين و اسماء الركاب الذين فقدوا ارواحهم في تلك الرحلة و كذلك المصابين الناجين من ذلك الحادث ….  لقراءة الحلقة الثانية اضغط الرابط التالي :

 في ذكرى الحادث .. قصة حادثة ميونيخ و زهور مانشستر … الحلقة الأولى

 

 

تعليقات الفيس بوك